مساءلة

Accountability

الكاتب:

مالبيديا

تم التحديث:

١ نوفمبر ٢٠٢٦

3 دقائق

article image

ملخص

  1. المساءلة إلزام بتقديم الحساب أمام جهة مخوَّلة مع عاقبة، وتختلف عن المسؤولية (تحمل الواجب) والضمان (تحمل التعويض).

  2. مثال محسوب بالريال: تجزئة مشتريات 480,000 إلى ست فواتير بـ80,000 تتجاوز حد اعتماد الرئيس التنفيذي وتكلّف 72,000 ريال بمبالغة 15%، ويكشفها تجميع الفواتير بحسب المورد.

  3. جذور المساءلة في الإسلام: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول»، والرقابة الذاتية (الإحسان)، ومؤسسات الحسبة وديوان المظالم، ومحاسبة النبي ﷺ لابن اللتبية.

  4. في دعوى الأمين التلف أو الخسارة اتجاهان: القول قوله بيمينه (الجمهور)، أو يُطالَب بالبينة والمستندات في الأمين المحترف (اتجاه معاصر)، وفي الثراء غير المبرر (5.28 مليون ريال في المثال) اتجاهان: جواز المصادرة الجزئية سياسةً أو قصر الواجب على رد ما ثبت أنه من استغلال الوظيفة.

  5. يُوازَن بين الستر في المعصية الخاصة والإبلاغ عن الاعتداء على الحقوق العامة، وتضيف المؤسسات المالية الإسلامية مساءلة شرعية بهيئة مستقلة وتقرير سنوي.

ما هي المساءلة؟

المساءلة إلزام الفرد أو المؤسسة بتقديم حساب عن قراراتهم وأفعالهم ونتائجها أمام جهة مخوَّلة بالمراجعة (مساهمين، أو مجلس، أو جهة رقابية، أو قضاء، أو مجتمع)، مع تحمل ما يترتب على الإخلال. وتختلف عن المسؤولية (تحمل الواجب) وعن الضمان (تحمل التعويض). وتقوم على ثلاثة أركان: شفافية (إفصاح وتوثيق)، وجهة تحاسب، وعاقبة معلنة.

وللمساءلة وجه إداري رقابي، ووجه شرعي أصيل: فهي في الإسلام مساءلة أمام الله ثم أمام الناس، تبدأ بالرقابة الذاتية وتمتد إلى مؤسسات خارجية كالحسبة وديوان المظالم.

 

 

مثال عملي: حدود الاعتماد وتجزئة المشتريات بالريال السعودي

سياسة اعتماد شراء في شركة:

جهة الاعتماد

قيمة الفاتورة (ريال)

مدير الإدارة

حتى 50,000

المدير المالي

50,001 – 250,000

الرئيس التنفيذي ولجنة المشتريات

أكثر من 250,000

 

حالة: مشتريات بـ480,000 ريال من مورد واحد، قُسِّمت إلى ست فواتير بـ80,000 خلال ثلاثة أسابيع، فتكفي كل منها موافقة المدير المالي وحده، وتتجاوز الرئيس التنفيذي الذي كان يجب أن يعتمد الإجمالي. فإذا كان المورد صاحبه قريب لموظف (تضارب مصالح) وبالغ في الأسعار 15%، فالخسارة = 480,000 × 15% = 72,000 ريال.

 

ضابط الكشف: قاعدة في نظام المحاسبة تجمع المشتريات بحسب المورد خلال 30 يومًا وتنبّه عند تجاوز 250,000 (انظر مقالة نظام معلومات المحاسبة). وتضيف المطابقة الثلاثية (أمر الشراء، والاستلام، والفاتورة) ضابطًا ثانيًا. ولو قدّرنا أن الاحتيال يستنزف نحو 5% من إيرادات المؤسسات، كما تقدّر بعض دراسات رابطة فاحصي الاحتيال (ACFE)، فإيرادات 200 مليون ريال تعني خسارة محتملة نحو 10 ملايين ريال سنويًا.

 

مثال مؤسسي: تقدَّر تكلفة أزمة فولكس فاجن 2015 (غرامات وتعويضات) بأكثر من 25 مليار دولار، أي نحو 93.75 مليار ريال، وتكشف أن غياب المساءلة الداخلية وصلاحيات الإفصاح يُكلّف أكثر بكثير من كلفة ضوابطه.

 

تحقق: الأرقام افتراضية للتوضيح، ونسبة 5% ومبلغ الأزمة تقديرات يلزم توثيقها من مصدر حديث.

 

أنواع المساءلة وخطوط الدفاع
  • المؤسسية: تقارير مالية دقيقة، وإفصاح، وامتثال للمعايير، وتدقيق داخلي وخارجي (انظر مقالة الاجتماع العام السنوي).

  • الحكومية: استخدام المال العام بشفافية وكفاءة ومكافحة الفساد.

  • السياسية: تمويل الحملات والتبرعات وتضارب المصالح.

  • الإعلامية: دقة الأخبار والمحتوى، وهي أشد أهمية في العصر الرقمي.

  • في بيئة العمل: مواعيد وجودة وحفظ للموارد واعتراف بالخطأ، ضمن بيئة عادلة وواضحة المعايير دون خوف أو تعسف.

  • خطوط الدفاع الثلاثة: الإدارة التنفيذية (تملك المخاطر وضوابطها)، والمخاطر والامتثال (تراقب)، والتدقيق الداخلي (يقيّم باستقلال أمام لجنة المراجعة).

 

تصميم المساءلة الفعالة
  • توزيع صلاحيات واضح (من يقرر، ومن يعتمد، ومن يُستشار، ومن يُبلَّغ) وحدود اعتماد بالمبالغ والتجميع.

  • فصل المهام: من يطلب لا يعتمد ولا يدفع ولا يسجل.

  • سجل تدقيق ووثائق (انظر مقالتي الإيصال ونظام معلومات المحاسبة).

  • مؤشرات أداء معلنة مرتبطة بالجودة والامتثال لا بالحجم وحده (انظر مقالة مدير فرع).

  • عواقب متدرجة وعادلة تُطبَّق على الجميع بلا استثناء.

  • قناة إبلاغ آمنة وحماية للمبلِّغ.

 

جذور المساءلة في الإسلام: الرقابة الذاتية والخارجية
  • المسؤولية العامة: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه)، وقال تعالى: «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ» (الصافات: 24)، «وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» (النحل: 93).

  • الرقابة الذاتية: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (متفق عليه)، ويُروى عن عمر رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا».

  • الرقابة الخارجية: حاسب النبي ﷺ جابي الصدقة ابن اللتبية حين قال «هذا لكم وهذا أُهدي لي»، فقال: «فهلا جلس في بيت أبيه أو أمه فينظر أيهدى له أم لا؟» (متفق عليه) (انظر هدايا العمال في مقالة مدير فرع).

  • مؤسسات تاريخية: الحسبة (مراقبة الأسواق والموازين والغش)، وديوان المظالم (النظر في ظلم الولاة)، والشورى (انظر مقالتي المنافسة الكاملة والقيادة).

  • الشفافية: «البيعان بالخيار... فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما» (متفق عليه).

 

فالمساءلة الشرعية لا تغني فيها الرقابة الخارجية عن الذاتية ولا العكس، لأن من تخلّفت رقابته الداخلية قد يتحايل على الخارجية.

 

مساءلة الأمين والوكيل: القول قوله بيمينه أم يطالب بالبينة؟

الوكيل والمضارب ومدير الشركة أمناء: لا يضمنون إلا بالتعدي أو التفريط (انظر مقالة نظام معلومات المحاسبة). فإذا ادّعى الأمين تلف المال أو الخسارة، فمن يصدَّق؟ للعلماء اتجاهان:

  • القول قول الأمين بيمينه ما لم تقم بينة على تعدٍّ أو تفريط: وهو قول الجمهور في الجملة، لأنه أمين مؤتمن، ولأن الأصل براءة ذمته.

  • يطالب بالبينة والمستندات إذا وُجدت قرائن تقصير أو كان الأمين محترفًا ملزمًا بالدفاتر: وهو اتجاه معاصر لدى بعض الباحثين، لأن العرف والنظام ألزماه بالتوثيق، فصارت السجلات وسيلة الإثبات الطبيعية.

 

مثال: سلّم مستثمر مدير محفظة 1,000,000 ريال، فادّعى المدير خسارة 300,000 بسبب السوق. فعلى الاتجاه الأول يحلف المدير إن عجز المستثمر عن إثبات تعديه، وعلى الاتجاه الثاني يُطلب منه كشف الصفقات والمطابقات. وفي التطبيق المؤسسي تُلزم العقود الحديثة المدير بتقارير دورية وحق اطلاع (انظر مقالتي المشاركة والربح).

 

«من أين لك هذا؟»: الكسب غير المشروع ومشاطرة العمال

يُنسب إلى عمر رضي الله عنه محاسبة ولاته على ما اكتسبوه، وأنه شاطر بعضهم أموالهم، فأخذ شطرها لبيت المال. وفي مبدأ «اختبار الثراء غير المبرر»:

مثال: موظف عام راتبه 40,000 شهريًا، ومدة خدمته 36 شهرًا (1,440,000)، وادخاره المعقول 50% = 720,000، وزادت ثروته 6,000,000، فغير المبرر = 6,000,000 − 720,000 = 5,280,000 ريال.

وفيما يُفعل بهذا المبلغ اتجاهان:

  • جواز المصادرة الجزئية سياسةً عند ثبوت الاستغلال والتهمة: اعتمادًا على سابقة عمر، ويحتج بها ابن تيمية في «السياسة الشرعية» لجواز المصادرة تعزيرًا بقرار قضائي.

  • قصر الواجب على رد ما ثبت أنه من استغلال الوظيفة: (كالهدايا والرشوة) إلى بيت المال مع تعزير القاضي بحسب الجرم، وعدم مصادرة مال لم يثبت أصله المحرَّم، وهو قول كثير من المتأخرين.

 

الإبلاغ والستر وحماية المبلّغ

يُوازَن في الإسلام بين الستر (من ستر مسلمًا ستره الله، رواه مسلم) وبين حفظ الحقوق العامة: «وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ» (البقرة: 283)، و«الدين النصيحة» (رواه مسلم). والقاعدة العملية: المعصية الخاصة غير المتعدية تُنصح صاحبها ويُستر عليه، أما الاعتداء على المال العام وحقوق المساهمين والجمهور فيجب الإبلاغ عنه للجهة المختصة، ويُحمى المبلِّغ من الانتقام (انظر مقالة الإيصال في توثيق الدعاوى).

 

المساءلة في المؤسسات المالية الإسلامية

يضاف إلى الأركان العامة مساءلة شرعية:

  • هيئة رقابة شرعية مستقلة يعيّنها المساهمون (الجمعية العامة) وتقدم تقريرها السنوي (انظر مقالة الاجتماع العام السنوي).

  • إفصاح عن الزكاة والدخل غير المشروع ومصرفه وأرصدة حسابات الاستثمار.

  • تدقيق شرعي داخلي وخارجي، وسجل تدقيق شرعي لصيغ العقود (انظر مقالة نظام معلومات المحاسبة).

  • مساءلة الإدارة عن تنفيذ قرارات الهيئة لا الالتفاف عليها (انظر مقالة القيادة).

 

المساءلة في الخليج والشام
  • السعودية: هيئة الرقابة ومكافحة الفساد (نزاهة)، والديوان العام للمحاسبة، وهيئة السوق المالية التي تلزم الشركات المدرجة بلائحة حوكمة وسياسة إبلاغ.

  • الإمارات: ديوان المحاسبة، وهيئة الأوراق المالية والسلع، ومتطلبات حوكمة للشركات المساهمة. 

  • الأردن ومصر ولبنان وسوريا: هيئات نزاهة ورقابة إدارية وديوان محاسبة بنصوص محلية.

  • المغتربون: تختلف أنظمة حماية المبلّغ ومساءلة الشركات في الدول المضيفة، ويُنصح بمعرفة قنوات الإبلاغ المحلية.

 

جدول مقارنة: عناصر المساءلة وما يقابلها شرعيًا

المقابل الشرعي

التطبيق

العنصر

الإحسان والمراقبة

قيم وسياسة أخلاقيات

الرقابة الذاتية

الأمانة وحفظ المال

حدود اعتماد وفصل مهام

الرقابة الداخلية

التوثيق والشهادة والبيان

مدقق مستقل

التدقيق الخارجي

الحسبة وديوان المظالم

هيئة سوق أو نزاهة

الجهة الرقابية

النصيحة وعدم كتمان الشهادة، والستر في الخاص

قناة آمنة

الإبلاغ

التعزير بحسب القضاء

عواقب متدرجة

العقوبة

لا ضمان إلا بتعدٍّ، واختلاف في البينة

تقارير ودفاتر

الأمين والوكيل

من أين لك هذا؟ (اتجاهان في المصادرة)

اختبار نمو الثروة

الثراء غير المبرر

 

قائمة تحقق لتصميم المساءلة
  1. هل صلاحيات الاعتماد مكتوبة بالمبالغ والتجميع بحسب المورد والفترة؟

  2. هل فصلت المهام بين الطلب والاعتماد والدفع والتسجيل؟

  3. هل يوجد سجل تدقيق وتوثيق للقرارات والمستندات؟

  4. هل المؤشرات مرتبطة بالجودة والامتثال لا الحجم وحده؟

  5. هل العواقب معلنة وعادلة وتُطبَّق على كبار المسؤولين كما تُطبَّق على غيرهم؟

  6. هل توجد قناة إبلاغ آمنة وحماية للمبلِّغ؟

  7. هل الأمناء (مدراء المحافظ والوكلاء) ملزمون بتقارير دورية وحق اطلاع؟

  8. في المؤسسة الإسلامية: هل للهيئة الشرعية استقلال وتقرير سنوي وتنفيذ فعلي لقراراتها؟

 

أخطاء شائعة في المساءلة
  • الاكتفاء بالسياسات المكتوبة دون تطبيق وعاقبة.

  • إغفال تجميع الفواتير بحسب المورد، فتُجزَّأ لتهرب من حدود الاعتماد.

  • تطبيق العواقب على الصغار وتجاهل الكبار.

  • الخلط بين الستر المشروع وكتمان الاعتداء على الحقوق العامة.

  • الاعتماد على «الثقة» بالمدير دون تقارير ودفاتر.

  • تقييم الأداء بالحجم وحده فيدفع إلى مخالفة الضوابط.

  • في المؤسسات الإسلامية: تعيين هيئة شرعية شكلية لا استقلال لها.

 

خلاصة

المساءلة إلزام بتقديم الحساب أمام جهة مخوَّلة مع عاقبة معلنة، وتقوم على الشفافية والجهة الرقابية والعواقب، كما بيّن مثال حدود الاعتماد الذي تجاوزت فيه فواتير مجزأة 480,000 ريال حد الرئيس التنفيذي. وفي الإسلام تبدأ بالرقابة الذاتية («كلكم راعٍ وكلكم مسؤول») وتمتد إلى الحسبة وديوان المظالم، وللعلماء اتجاهان في تصديق الأمين في دعوى التلف والخسارة وفي مصادرة الثراء غير المبرر، ويُوازَن بين الستر والإبلاغ، وتضيف المؤسسات المالية الإسلامية مساءلة شرعية مستقلة.

"اقرأ المزيد من المعلومات عن الأمور المالية على موقعنا مالبيديا Maalpedia"

المراجع المعتمدة: 

https://www.investopedia.com/terms/a/accountability.asp 

المشاركة عبر

مقالات ذات صلة